لم نكن مستعدين أبداً لفراق أخ عزيز قد ملأ حياتنا بالتسامح والطيبة واللين والرفق الأخوي المميز ولم يكن يخطر بالبال قط أن يحين وقت الفراق قريباً كان نبأمفاجئاً حقاً لأصحابه وخلانه فله مكانة وخلة لن يملأها إلا هو رحمه الله ... وهكذا يكون الفراق ، يلثم السعادة و يثلم الإخوان ويبكي الخلان . عرفناه حليما جداً ، دعوباً مرحاً رفيقاً عطوفاً كريما سخياً ، لم نكن هنا لنسرد صفات إلا ولها مكانها الحقيقي في حياته ولن نكون مبالغين حين نقول : يصعب ويصعب جداً أن يتحلى المرء بطيبة قلبه وأدبه الجم ، فلم يكن يدفع اللفظة الجارحة إلا بقوله : هذه قوية !! نشأ نشأة قرآنية إيمانية في حلقات تحفيظ القرآن الكريم "حلقات التضامن " كما ينشأ الشاب في طاعة الله – نحسبه والله حسيبه - ، عاش هاوياً للصيد محباً جدا لمسقط رأسه " الحريق " ، شجاعاً ... كثيرة تلك المغامرات التي تعجبنا منها وقد كان بطلها الأول ... لا ينقضي ذهولنا من صبره وتحمله ، وعفوه وتقبله لكل من يمزح معه ، فلا يشكو من جلافة أحد ولا من قسوة أخ ، كان يدمح الزلة ويتجاوز عن الهفوة ، لا مكان للغل في قلبه ، أو الحسد ولا نزكي على الله أحدا . وفي ليلة تسع وعشرين من شهر رمضان عام ست وعشرين وأربع مئة وألف ، بعد أن صلى القيام ختمة القرآن الكريم مع القارئ / ياسر الدوسري ، ذهب في يوم تلك الليلة لأداء العمرة إيماناً بفضل العمرة في هذا الشهر الكريم شارك أهله العيد في مدينة الرياض ، وجالس والديه ولاعب إخوانه ، فقد كان حبيب الصغار قريباً منهم أخذ بعض الهدايا معه والحلوى لمصلى العيد وبعيد الصلاة استقبل الأطفال ففرقها على من عرف ومن لم يعرف ... بدأ ثاني أيام العيد بالصيام ، فقيل له : لو أخرت الصوم إلى آجل . قال : لا ، بل أريد أن أبادر بصيام القضاء ، فعلي قضاء من رمضان ... انطلق بعد العصر إلى بلدته ، بعد أن أعدت والدته إفطاره ، كان طوال الطريق يبارك لأصحابه وذويه حلول عيد الفطر المبارك فكل من اتصل عليه وجد جواله ذلك اليوم مشغولاً ، حتى اقترب وقت أذان المغرب فأعد تمرات ليستهل بها إفطاره ، وفي ساعة من إجابة كان يتناول إفطاره بُعيد الأذان وقد بدأ الأفق بلبس عباءة الليل فأظلم الطريق واحلولكت جوانبه ، إذ به يفاجأ بناقة تقتحم طريقه وتفترس سيارته فيصطدم بها مما أرغم السيارة على الانحراف ؛ لأن الإصابة كانت في رأس عبد الإله – رحمه الله – وقد سلم عامة جسمه من الجروح سلم ذلك الجسد الطاهر النقي ، روحاَ كما سلم جسدا ... وأما آخر مكالمة رصدت له فكانت مع والدته لمدة ثلاث ثوانٍ فقط قال فيها : هلا يمه ! ثم انقطع صوته وناح جواله بإشارة الإقفال ... فكأن والدته وخزت في قلبها وطعنت لم ترتح ولم تطمئن ... أما عبدالإله فقد سقط هناك بعيداً عن سيارته معفر الوجه بالدم ، نزل من عابري السبيل من نزل ، تجولوا هنا وهناك وقفوا على تلك الروح العبقة وممن وقف أحد أقاربه وبعد محاولة غير آيسة مع الشرطي حامل بطاقة الممدد " عبد الإله " تعرف على أنه هو لا غيره ، خارت قواه وسقط يبكي ، ذكر الله وكان يرى فم عبد الإله ينطق بـ " لا إله إلا الله " لكن الحروف لا تخرج بسبب الدم على فيه وقد أخبرنا من وقف عليه في سيارة الإسعاف أنه تشهد ، نعمت الخاتمة تلك ولا ريب فهو المحب لذكر الله وسماع ذكره القرآن ، فارقت تلك الروح الطاهرة الزكية ذلك الجسد ... صعدت تلك الروح بعد أن قام رمضان وصامه – نحسبه – إيماناً واحتساباً وبعد أن حج بيت الله معتمراً وبعد أن ختم القرآن في مسجد يفيض بالمصلين ومع صوت ندي بكلام الله ... * * * كان عبد الإله - رحمه الله – يردد لمن قابله بعد صلاة قيام تلك الليلة مقولة ذكرها الإمام صلاة الوتر وهي : "إن هناك أناساً صلوا معنا رمضان العام الماضي فلم يبلغوا رمضان الحالي ... فاجتهدوا أيها المصلون في العبادة " وما ردد شخص مقولة إلا وقد وقعت من نفسه موقعها ... فحال المقال : وأنا لا أدري لعلي لا أدرك رمضان القادم ، وقد كان والله المستعان ... عاش أيامه الأخيرة وكأنه يعلم بدنو أجله .. رحمك الله يا عبد الإله نسأل الله أن نكون له هناك كما كنا في الدنيا فقد قال سبحانه وتعالى : ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) أخوة في الدنيا ،أخلاء في الآخرة ...
.
.
الاربعاء, 28 جمادى الأولى, 1428
أضف تعليقا
اضيف في 12 جمادى الثانية, 1428 11:09 م , من قبل saadnf
من المملكة العربية السعودية
من المملكة العربية السعودية

عبدالإله الخثلان
لم يوار الثرى بعد !
هذه هو يبتسم ..
يلقي التحية ..
يزرع فينا الوفاء ..
هؤلاء الرجال (عبدالإله) باقون بذكرهم الحسن ..
بسيرتهم البيضاء ..
ومواقفهم الصادقة ..
رحمك الله أيها الموجود : عبدالإله الخثلان
-----------
سعد النفيسة
اضيف في 18 جمادى الثانية, 1428 03:08 م , من قبل mshare70
من المملكة العربية السعودية
من المملكة العربية السعودية

صدقت عبارة مليئة بمعان كانها لا تعنينا !
مات منا أو مات منهم
لا شيء كل الناس تموت !
كثرة الموت جمدت عندنا مشاعر الحزن ، وجففت الدموع ، وحجرت القلوب !
رحمه الله
سلام على تعليقك أخي عبد الإله ...
اضيف في 18 جمادى الثانية, 1428 03:12 م , من قبل mshare70
من المملكة العربية السعودية
من المملكة العربية السعودية

كم هم الناس الأموات وهم على قيد الحياة !
وكم من أناس أحياء وهم في ردهات الموت !
من سينسى تلك الابتسامة وتلك الصورة من أخينا عبدالإله ...
سنصل حبله بالدعاء
خففت مصابنا أيها السعد ..
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.











من المملكة العربية السعودية
رحمة الله ،،
وسكن ذلك الجسد ،، وحلقت تلك الروح ،، ونطقت الألسن ثناءاً ندياً ، لاترجوعليه جزاءاً ولاشكوراً ،لأنها الأخوة في الله ،
(عبدالاله رحمه الله )عبارة مشحونة بمعان سرمدية لاتنتهي ،،
ومن يدري ،، فربما ترحمنا على عبدالاله آخر ،، وثان ،،وثالث